واحدة من أكبر التحديات التي قد نمر بها في حياتنا العملية هو اختيار المسار الوظيفي الذي نرغب به. أحياناً يبدو و كأن الناس ينجحون يمنة و يسرة و نحن مكاننا سر. هل هناك طرق سرية للنجاح يعرفها الجميع باستثنائك؟ ما الذي يجري؟

سواء كنتِ تخرجتي حديثاً أو أمضيتي خمسة سنوات في مجال ما و تشعرين بأنك ترغبين في الانتقال للمستوى التالي، ستمرين بهذا التحدي في محطات مختلفة من حياتك العملية و تشعرين بشيء من التردد و الحيرة. هذه ليست مشكلة بمعنى مشكلة بل هي هي ردة فعل طبيعية في الواقع. أما أنه ليس أمامك أي خيارات حقيقية، أو إن كنتِ تعرفين قيمك و مهاراتك قد تشعرين بالحيرة لكثرة الخيارات الجذابة.

بصراحة و لفترة طويلة كنت أعتقد بأن من يصل لسن العشرين و هو لا يعرف بالضبط ماذا يريد و ماذا سيعل بحياته هو شخص لديه مشكلة حقيقية. و لكن الآن و قد جاوزت الثلاثين، غيرت رأيي. أنا الآن أتفهم لماذا قد يصل البعض لمنتصف و أواخر العشرينات بدون أي وعي بالمسار الذي يريده أو حتى أحياناً بالمسار الذي هو عليه حالياً في الحياة!

ربما بدلاً من اللوم و التقريع علينا أن نحتوي من يشعر بأنه ضائع و لا يعرف ماذا يفعل بحياته. كلنا هنا لنتعلم من بعضنا. و في الواقع: هذه الحيرة و عدم الوضوح قد تساعدك لأن تكوني أكثر إنفتاحاً في بحثك و عملية استكشافك للخيارات التي أمامك. بصراحة، في حالتي أعتقد بأن ايماني العميق الذي لم يتزعزع بأنني أعرف ماذا أريد جعلني أتجاهل مسارات أخرى مثيرة كان يمكنني اتخاذها و ربما كانت ستناسب شخصيتي و اهتماماتي. أنا لست نادمة على عشريناتي و لكنني أعرف بأنه كان هناك خيارات كثيرة لم أنتبه لها بسبب هذه الثقة المفرطة. الآن فقط بدأت باستكشاف مهارات أخرى عطلتها لعقد كامل من الزمن

ليس لدي خيارات ☹️

أحياناً لا نشعر بأن أمامنا أي خيارات جذابة. ربما نجد بعض الفرص هنا و هناك و لكن لا نشعر بالرغبة في اقتناصها بالذات إذا لم نكن في وضع مالي سيء الحمدلله و نستمر في البحث عن عمل. بصراحة، العمل قد لا يبدو خياراً جذاباً للبعض و أنا أتفهم هذا لأنني مررت بفترة كنت أعتقد فيها بأن العمل يقتل الإبداع و لا يمكن أن أجد فرصة عمل يمكن أن تكون كذلك متنفساً للتعبير عن قيمي و ما أؤمن به. فوق هذا، الرواتب أقل بكثير من أن تبرر الشحططة و الخرجة من البيت كل يوم 🤦🏻‍♀️💔 أعتقد بأن هذا هو السبب الحقيقي لبقاء الكثير من الفتيات بدون عمل. 

ربما أنتِ خريجة حديثة، أو ربما أمضيتي الخمسة سنوات الماضية في بيئة العمل و مررتي بعدة تجارب وظيفيةو ما تعرفينه الآن هو أنك تريدين التغيير و حسب و لكن لا تعرفين إلى أي تجاه ستسيرين. الحل بسيط جداً: انظري لأقرانك!

ابتعدي تماماً عن الناجحين و اللامعين من النجوم في مجالك كقدوة عملية. تستطيعين أن تجعلينهم مصدر إلهام و تحفيز لك ربما و لكن في الحقيقة ليس بإمكانهم مساعدتك بطريقة عملية في مرحلتك الحالية المبكرة. عندما تتحدثين مع شخص أمضى ثلاثين عاماً أو حتى عشرين في مجالك، ستخرجين بلا شك بثروة من الدروس و التجارب العامة و ربما تشعرين بالتحفيز للإنجاز بشكل عام. لكن لا أعتقد بأنه سيساعدك في تحديد خطوات عملية و محددة تماماً في مرحلتك الحالة.

اقترح عليكِ أن تجعلي قدوتك نديدتك التي سبقتك بخطوة أو خطوتين على الأكثر. كوني مرتبة و منظمة في عملية البحث عن هذه المسارات الخفية للنجاح.

١- اكتبي قائمة بأسماء أقرانك سواء زملاء الدراسة أو زملاء في عمل سابق، أين هم الآن؟ قومي بالحبث في الانترنت و مواقع التواصل الاجتماعي و بالذات موقع لينكد إن. ليس من الصعب معرفة هذه التفاصيل عن الناس بدون السؤال المباشر و الذي قد يكون فيه شيء من الحرج. و مع ذلك لا مانع من السؤال المباشر إن كانت العلاقة تسمح بذلك. هؤلاء أشخاص بدأوا من حيث بدأتي أنتِ: نفس الشهادة  و نفس التخصص و إن كانوا زملاء عمل فلديهم غالباً نفس المهارات العملية و لكنهم جميعاً الآن في أماكن مختلفة. هذا يعني بأن مهاراتك قد تكون مفيدة في بيئة عملية أخرى لم تفكري بها من قبل.

٢- ابحثي في الانترنت وتابعي إعلانات الوظائف. هل تستطيعين أن تجدي وظيفة تحتاج المهارات التي تملكينها الآن؟ إن كنتِ مدرسة لغة عربية أو إنجليزية متمكنة مثلاً فغالباً لديك ملكة الكتابة و التعبير، هل بإمكانك ربما أن تصبحي كاتبة محتوى أو محررة؟ ليس هناك حدود و لاقيود هناة إن كانت لديك المهارات المطلوبة فليس مهماً حقاً لصاحب العمل ماهي شهادتك أو تخصصك.

لدي لك تحذير بسيط: انتبهي من الخيارات التي هي مجرد ردود أفعال! فقط لأنك لا تعرفين ماذا تريدين أن تفعلي لا يعني بأن الخيار الصحيح هو الدراسات العليا. الدراسات العليا أحياناً مجرد تأجيل للمحتوم. أنا أتكلم من تجربة: إياك و متابعة الدراسات العليا لمجرد التهرب من البطالة. حتى لو أنهيتي دراسة الماجستير و الدكتوراه، من الوارد جدا أن تجدي نفسك عاطلة عن العمل. الشهادات العليا لم تعد بتلك الندرة و المنافسة شرسة على الفرص الجذابة. بصراحة لا أحد سيهتم بشهادتك العليا خارج مجالك. أقدمي على خطوة الدراسات العليا فقط في حالة أنك قررتي المسار المرغوب و تعرفين ماذا تريدين و واعية بأن الماجستير و الدكتوراه ليس تهرباً من الواقع.

أمر آخر، لا تغيرين مجالك بالكلية إلا إذا استنفذتي كل الخيارات المتاحة بالمهارات المتوفرة. بمعنى، لا تقفزي لمجال آخر و تبدأين منه من الصفر لأنه يستحيل أن لا يكون هناك مجال يمكنك أن تبني فيه على مهاراتك الحالية و تكملين من حيث أنتِ.

لدي خيارات متعددة. أيها أختار؟ ☹️ 

سبع صنايع و البخت (مش) ضايع إن شاء الله 😅

إن كنتِ مثلي فأنت تشعرين بأن حولك الكثير من المسارات العملية الجذابة. هذا يعني بأن الجهد المطلوب منك أكبر في استكشاف المسارات الخفية للنجاح. مثلاً أنا أحب التدريس و البحث الأكاديمي و الكتابة الإبداعية و النشر الرقمي و الورقي و بعد الإنجاب أصبحت مهتمة بالتربية و أشعر برغبة غامرة في التوسع في هدا المجال.

رغم أن تعدد الاهتمامات قد يبدو و كأنه حسنة لمن لا يرى أمامه أي فرص لكنه في الحقيقة يعطي إحساساً بالشلل و الحيرة. نصيحتي لك هو أن لا تقفزي لواحدة من الخيارات بدون تدبر و تفكير. ارسمي خريطة ذهنية بكل الاتجاهات الممكنة من مكانك الحالي: أيها أقرب لك الآن؟ أيها قد يحتاج لشيء من تعديل المسار، ربما دورات أو شهادات عليا أو حتى مجرد التدرب على مهارة معينة؟ في الوضع المثالي ستختارين الخيار الذي هو أقرب لمكانك الحالي و لكن بإمكانك اختيار خيار أبعد إن فعلتِ هذا بوعي تام بما تفعلين و بالمخاطر المحتملة.

ابحثي عن نماذج حية للمسارات المختلفة التي تثير اهتمامك. راقبيهم أو اسأليهم بشكل مباشر إن كان هناك إمكانية: ما هو شكل الحياة الذي يعيشونه و كيف يؤثر عملهم على الـ Lifestyle؟ كيف هي حياتهم اليومية؟ هل ينتهي العمل بمجرد أن تعود الواحدة للبيت أم أن العمل يلاحقها للبيت فوق مسؤولية الزوج و الأطفال؟ هل المجال تنافسي بطريقة كبيرة بحيث لا يتميز فيه إلا القلة القليلة؟ (جراحة المخ و الأعصاب مثلاً!) 

أياً كان الجواب على كل هذه الأسئلة فعليك أن تقرري إن كان هذا يناسبك و يناسب قيمك و شكل الحياة الذي يرضيكِ.

يجب أن نكون صورة واقعية و حقيقية عن هذا المسار.في علم النفس الإجتماعي هناك مفهوم مثير للإهتمام هو “المسافة النفسية” بيننا و بين المواقف و الأحداث في حياتنا. كلما كانت المسافة النفسية بيننا و بين موقف معين، سننظر له بشكل تجريدي و مثالي للغاية لأننا لم نختبره من قبل. هناك بون شاسع مثلاً بين الكلام عن الزواج و الأمومة و أن تكوني زوجة و أماً. لا أحد في العالم في رأيي بإمكانه أن يجهزك بشكل كامل للتغييرات التي تحصل بعد الزواج و الأمومة مهما كان صادقاً و حسن النية. يجب أن تمري بهذه التجارب لتعرفي حقيقتها بالنسبة لكِ أنتِ و ليس مجرد صورة ذهنية تجريدية تضيفين نفسك لها في رأسك.

نحن قريبين جداً من عملنا الحالي و لهذا نركز على التجربة اليومية و نرى بوضوح ما فيها من منغصات أو نواقص. و لكن عندما نفكر في الخيارات الأخرى في مجالات عمل مختلفة فإن بعدنا النفسي عن حقيقة هذا المجال تجعلنا ننظر لأمور تجريدية جداً مثل المكانة الإجتماعية أو أهمية المنصب أو الشهرة أحياناً، و هذه كلها لا علاقة لها بالتجربة اليومية لكونك فعلاً و حقيقةً في هذا المجال. فكري في الطب: الناس عادةً تركز على الدخل المادي و المكانة و الاحترام و الثقة المجتمعية التي يتمتع بها الطبيب أو الطبيبة، و لكن الأطباء أنفسهم عندما يفكرون في عملهم يفكرون غالباً في أيام عمل طويلة و مناوبات ليلية ربما أو عمليات قد تمتد لساعات و مسؤولية حياة البشر. الناس ليست غلطانة و لا الطبيب الذي يرى بوضوح متاعب مهنته غلطان. النظرتين صحيحة.

الفكرة هو ضرورة تكوين صورة جيدة للعمل من المسافتين النفسية القريبة و البعيدة. ابحثي عن نموذج لهذا العمل و تحدثي معه أو راقبيه: كيف هو يومه؟ هل هذا شكل اليوم الذي تريدين أن تعيشيه كل يوم؟ يجب أن تكون لديكِ صورة ثلاثية الأبعاد للوظيفة أو المجال الحلم.

علاج الخوف هو الحركة.. تحركي بشكل مدروس في أي إتجاه كان و مع الوقت ستصبح حركتك مركزة

احضري ورقة و ألوان و اصنعي خريطة ذهنية لكل الاتجاهات الممكنة التي بإمكانك إتخاذها من حيث تقفين اليوم.. ما هي الأقرب لك الآن؟ هل بعض هذه المسارات قد يحتاج شيئاً من تعديل المسار بمعنى أن هناك مهارات أو شهادات إضافية عليك الحصول عليها أو ربما عليك الصبر على فكرة أن تتراجعي قليلاً على سلم المكانة العملية و تبدأين الصعود من جديد؟

اعثري على أشخاص نماذج لهذه المسارات سواء في الواقع أو في مواقع التواصل الاجتماعي (تحذير: الناس نادراً ما تشارك الجانب المظلم من حياتها. كلنا بلا استثناء نقوم بفلترة غير واعية لما نضعه على الانترنت بحيث نظهر فقط لحظات قوتنا و نجاحنا لهذا لا غنى عن النماذج الحية أعتقد.). 

انظري لأسلوب حياتهم بشكل متكامل: لا تنظري فقط للمكانة الاجتماعية و الدخل المادي و ايجابيات هذا المسار بل كذلك ما سندعوه تجاوزاً سلبيات هذا المسار لتعرفي ما أنتِ مقبلة عليه و تكوني واضحة بشأن ما يناسبك و يناسب شخصيتك و ظروفك.

محتوى مفيد و قيم لكل شابة و أم

شكراً 💞

Pin It on Pinterest

Share This

لو استمتعت بهذا المحتوى من فضلك شاركيه مع من تحبين 🙏🏼