التخطيط المهني للشابات | (١) وعيك بقيمك سر سعادتك المهنية

هذه سلسلة أفكار تتعلق بالتخطيط المهني للشابات..

أنا أستهدف الشابات بين الثامنة عشر و الثانية و العشرين تحديداً.. طبعاً هذا لا يمنع بأن طالبة نبيهة في المتوسطة يمكنها أن تستفيد من هذه السلسلة أو أنه راحت على الشابة التي تجاوزت الثلاثين! بالعكس هناك دائماً وقت و هناك دائماً فرصة و لكن من المفيد أن نحاول توضيح رؤيتنا و شكل الحياة التي نحب في أبكر وقت ممكن..

 هذه السلسلة لي أنا قبل أن تكون لأي شخص آخر.. أنا بحاجة لتذكير بكل ما في هذه السلسلة أكثر من أي شخص آخر.. أيضاً، هذه السلسلة ليست مجهودي الخاص بل هي خلاصة قراءات واسعة خلال الخمس سنوات الماضية.. لا جديد تحت الشمس طبعاً، لكن من الصعب علي أن أتتبع كل فكرة في رأسي لمصدرها الأصلي.. مصادري تجدينها في صفحتي على الـ Goodreads في قائمة الكتب المقرؤة..

الهدف من هذه السلسلة هو أن نطور مسارنا العملي و فرصنا الوظيفية بأسرع شكل ممكن..

حقيقة: كل من أعرفهم من صديقات و معارف وجدوا وظائف خلال سنة أو سنتين بالكثير من التخرج..

أنا لا أتعاطف كثيراً مع المتذمرين من البطالة.. إذا مرت خمسة سنوات و لم تجدي وظيفة، ربما -أقول ربما – المشكلة فيك و ليست في السوق.. و ربما عليك أن تعيدي بناء نفسك لتكوني تلك المرشحة التي لن يرفضها غير أحمق.. لتكوني so good they can’t ignore كما يقول الكاتب Cal Newport..

باختصار الفرق بين من يجد وظيفة بسهولة و من يعاني لسنوات هو في القيمة التي يقدمونها لبيئة العمل.. القيمة تحددها المهارات.. أحياناً يمكن لشخص أن يكون متوسط لمهارات و يصقل مهاراته على رأس العمل.. و لكن الواقع هو أن هناك هوة كبيرة بين العرض و الطلب: الوظائف المتاحة أقل بكثير من العدد المهول من الباحثين عنها؛ و هذا يعني بأن أصحاب العمل باستطاعتهم أن يختاروا صفوة الصفوة من المتقدمين.. لقد شاهدت بعيني كيف يتم توظيف مرشحين بشهادات عليا في وظائف تحتاج فقط شهادة بكلوريوس و بدون خبرة! بامكانك القول بأن هذه منافسة غير عادلة و لكن الحقيقة هي قلة الوظائف تعني أنك لا تنافسين أندادك على الوظائف الجذابة بل تنافسين من يفوقك في التعليم و حتى الخبرة أحياناً..

طيب و الحل؟ الحل هو أن تبدأي من حيث تجدين تفسك و تعملين للأعلى.. الخطوة الأولى هي أن تحددي مهارة قيمة جداً جداً جداً في مجالك و تعملين بوعي على احترافها بسرعة.. و عندما أقول بسرعة فأنا أتحدث عن سنة إلى سنة و نصف و ربما سنتين! إن لم يكن لديك الصبر، تذكري بأن الصبر نفسه مهارة و ربما عليك أن تبدأي باحتراف هذه المهارة أولاً.. في الواقع، هذه هي العقلية التي تحتاجينها: عقلية المحترف! المحترف لا يحتاج أن يكون في الـ mood لينتج! هوا ينتج بغض النظر عن مزاجه و مزاجيته لا تؤثر على قيمة أو جودة المحتوى أو الخدمة التي يحترفها.. هذا هو هدفي الحال: أن أحترف ما أفعل و لا أدعي بأنني وصلت..

ملاحظة: ماذا عن العوائق الحقيقية؟ أنا لا أنكر أن هناك وساطات و محسوبيات الخ و لكنني أطلب منك أن تحاولي أن تكوني الشخص الذي لا تنطبق عليه هذه العوائق و لا تؤثر فيه لأنك مكسب لا يفوت.. ربما نفصل في هذه الفكرة في تدوينة لاحقة..

كيف تختاري المهارة الصحيحة؟

أحياناً يحدث أن تطور الواحدة منا مهارة قيمة جداً بدون تخطيط: الرسم، الكتابة، التصميم، اللغات الخ.. عادةً، هذه الإنسانة وقعت على مهارتها مبكراً جداً (أحيانا نسميها خطأ موهبة! الموهبة لا تكفي بدون عمل واعي على اتقانها!) ربما قضت كامل مراهقتها و بداية العشرينات و هي تمارس هذه المهارة.. كل يوم.. و لساعات طويلة..

ماذا لو لم تكن هذه تجربتك؟ لو كنتِ مثل الغالبية العظمى (و لا عيب في ذلك!) التي قضت سنوات مراهقتها و بداية شبابها في مجرد تحصيل الدرجات في المدرسة و الجامعة و اعطاء اهمية مبالغ فيها للصداقات و الخضوع لضغوطات الأقران التي لا معنى لها فهذا يعني بأنك قد ضيعتي السنوات الذهبية بدون جهد واعي لاتقان أي شيء في هذه الحياة..

لا تقلقي، بامكانك دائماً أن تبدأي..

و لكن السؤال هو ما هي المهارة/المهارات التي أحتاج لاتقانها؟ هذا سؤال لا يجيبه غيرك.. ما العمل الذي تحبينه؟  لكن حتى قبل هذا هناك سؤال أهم ما هي قيمك الحاكمة؟ و ما هو شكل الحياة الذي ترغبين به؟

دعيني اخبرك بقصة: شابة ذكية جداً جداً دخلت القسم العلمي لأن هذا هو المطلوب و المتوقع! و لأنها حصلت على نسبة عالية جداً و كانت من الأوائل على مدينتها دخلت كلية الطب، مرة أخرى هذا هو المطلوب و المتوقع! بعد فصل دراسي واحد تزوجت و بعدها بفترة بسيطة حملت و حولت من كليتها إلى كلية الاقتصاد المنزلي.. عرفت بالأمر من زميلات حانقات على خيارها؛ في نظرهم القسم العلمي و كلية الطب خيار لا يفوت بالضبط لأنه ليس متاحاً لهم: “هبلة تسيب الطب عشان رجال!” و لكن إن لم يخطيء تقديري لشخصيتها فما فعلته يتماشى تماما مع طبيعتها! و ربما من حسن حظها أن زواجها و مسؤولياتها الجديدة جعلتها تكتشف مبكراً أنها لن تكون سعيدة في مهنة الطب.. هذه الشابة كانت متفوقة صحيح، و لكنها كانت تحب “الحرية” كثيراً.. لا أدري إن كانت “الحرية” هي الكلمة الصحيحة لوصف ما أعنيه و لكنها لم تكن تقضي ساعات طويلة على الدراسة كما قد يعتقد بعض من لم يعرفها.. و لم تكن تهتم كثيراً بالأنشطة المدرسية.. كانت تحب أن تقضي وقتها كما تحب.. و كانت كثيرة الغياب كذلك بالنسبة لطالبة متفوقة.. هل من الصعب رؤية لماذا قد لا يكون قضاء ساعات طويلة في الدوام في الدراسة أولاً ثم العمل الطبي في مستشفى مستقبلاً جذاباً لها؟

فكري بالأمر: ما القيم الحاكمة لشخص يرى هذا المستقبل جذاباً؟ قيمة المكانة الاجتماعية؛ قيمة الدخل المادي ربما أو قيمة الخدمة إن كان واعياً بدوره في تحسين حياة المرضى ربما؛ قيمة الانضباط.. مع أن “العلم” كان قيمة عالية جداً عند هذه الشابة لكن قيمة “الحرية” في أن تقرر كيف تقضي معظم يومها كانت قوية أيضاً..

ما لن يخبرك به أحد

كل النصائح بما فيها هذه السلسلة لن تستطيع أن تخبرك ما عي المهارة التي ينبغي عليك العمل عليها للأسف.. هذا أمر أنتِ فقط تستطيعين اكتشافه..

عليكِ أنتِ و لا أحد غيرك أن يكتشف ذلك.. عليكِ أن تقومي بالنظر في وضعك الحالي: تخصصك، شهاداتك، خبراتك من عدمها و تحاولي أن تقرري ما عي المجالات التي يمكن لك العمل فيها.. ثم عليكِ أن تقرري ما هي قيمك الحاكمك فيما يتعلق بالعمل: الدخل المادي، الحرية، الاستقلالية، الانجاز، التقدم الوظيفي، المكانة الاجتماعية الخ.. ثم عليكِ أن تجدي الخلطة السرية: مجال يناسب قيمك الحاكمة..

فقط بعد كل هذا يمكنك أن تبدأي البحث عن المهارة/المهارات المطلوبة و التي ستحدث الفرق في هذا المجال.. آخر ما نحتاجه هو أن تضيعي وقتك في اتقان مهارة ليست مهمة و لا مؤثرة في المجال (شهادة قيادة الحاسب الآلي، مثلاً التي كان الجميع مهووساً بها و كأنها جوهرة السيرة الذاتية!!!) في المجال.. وقتك ضيق و ثمين و عليك أن تقضيه فيما يهم و يؤثر في دخلك و مستوى حياتك.. ركزي..

عندما تفكرين بالمهارات التي تحتاجين لها، غالباً غالباً سيخدعك عقلك و يختار المهارات و الأمور التي تبدو مسلية و ممتعة! إذا كنتِ تحبين القرطاسية مثلي، ستبحثين عن أفضل نوتات، وأفضل أقلام و هايلايترز، ربما تقرأين عن الطريقة الأمثل لترتيب الملاحظات… لكن لو لاحظتي ما يجمع كل الأشياء التي تفكرين بها هو أنها تحاول الالتفاف على العمل الصعب و المجهود الكبير الذي يقتضي التركيز على المهارات التي يصعب تطويرها.. 

لقد عانيت كثيراً في مرحلة الدكتوراه و معظم المهارات التي أعتقد بأنها غيرت المستوى الذي أعمل فيه لم أطورها بجدية إلا في آخر سنة من البرنامج! لقد كنت أحاول بكل جد أن ألتف على القاعدة البسيطة للنجاح: اقرأي و خذي ملاحظات و اكتبي!! كنت أضيع وقتي في البحث عن برامج و تلميحات و أنظمة و تخطيط مهووس بدون تطبيق و أقلام ملونة و هايلايت و صنعت لنفسي نماذج استخدمها عند قراءة المصادرة الأساسية بجداول للتاريخ و الكاتب و أهم الأفكار و خرائط ذهنية.. كل هذا كان سينفع لو كنت فعلاً اقرأ و آخد ملاحظات و أكتب.. بمعنى آخر لو كنت فعلا أطبق ما اقرأه و أستخدم ما أخترعه من أنظمة و نماذج عمل!! و لكنني لم أكن أفعل ذلك.. لقد عقدت كل شيء لدرجة أنني لم أكن قادرة على اتخاذ أي خطوة حقيقية باتجاه الهدف..

 

حتى عندما كنت أبحث عن النصيحة حول كتابة رسالة الدكتوراه، كنت أشعر بخيبة أمل عندما تأتيني الإجابة: اقرأي، خذي ملاحظات، و اكتبي!!! ماذا؟ حقا؟ أليس هناك سر آخر؟ ربما علي أن أحول من Mendeley إلى Zotero أو Endnote؟ ربما علي أن أستثمر في تعلم التقنية س أو النظرية ص… مثلاً، لقد ضيعت الكثير من الوقت في تعلم كيف انتقل بطريقة صحيحة بين الأفكار في النص في حين لم تكن عندي أصلاً أفكار اتنقل بينها! بصراحة، أشعر بالخجل كلما أتذكر كيف قضيت أول سنتين من برنامج الدكتوراه! حقيقة الأمر هو أن كل الأفكار العظيمة لم تكن ستغنيني عن أهم و أبسط خطوة: اكتبي محتوى الرسالة!

بنفس الطريقة في أي مجال يصبح السؤال الحقيقي: كيف أعرف ما هي المهارة الأهم؟ يجب أن تقومي بالواجب! ابحثي و ابذلي جهدك.. و الأهم هو ألا تحرصي حتى لا تشغلك التفاصيل الصغيرة عن الصورة الكبيرة.. بمعنى آخر، إن لم تنتبهي سيكون السؤال الذي يحركك هو: كيف يمكنني تحسين … (ضعي في الفراغ أي تفصيلة صغيرة في يومك الوظيفي) بحيث تصبح ألطف أو أجمل أو أرهب أو أشيك؟ هذه التحسينات على مستوى المايكرو مفيدة بلا شك، لكن في النهاية لن تفرق كثيراً في مستوى حياتك أو الراتب الذي تتقاضينه!

 

لو أعجبتك هذه التدوينة، استمتعي بالمزيد هنا

خمسة أفكار من مدرسة تصميم الحياة

من أجمل الكتب التي قرأتها العام الماضي كتاب تصميم الحياة  لأستاذين في جامعة ستانفورد..  كل شيء في الحياة من الجهاز الذي تقرأين عليه هذه المدونة إلى  الغرفة التي أنت فيها كانت فكرة و تصميم في ذهن مصمم.. و الفكرة الأساسية من الكتاب هي تطبيق طريقة تفكير هذا المصمم على...

مترجم | هل أنتِ مجرد “بنت” أم امرأة حقيقية؟ – مقالة لـ رينيه ويد

هذه التدوينة هي ترجمة لمقالة من موقع رينيه ويد أشكر شقيقتي على مساعدتها لي في مراجعة الترجمة قد تكونين امرأة ناضجة بالفعل في جوانب معينة من حياتك، و لكن جانب العلاقة مع الرجل هو أكثر جانب نظهر فيه كبنات صغيرات و كذلك هو الأمر مع الرجال الذين يتحولون في علاقاتهم مع...

التخطيط المهني للشابات | (٣) المسارات الخفية للنجاح

واحدة من أكبر التحديات التي قد نمر بها في حياتنا العملية هو اختيار المسار الوظيفي الذي نرغب به. أحياناً يبدو و كأن الناس ينجحون يمنة و يسرة و نحن مكاننا سر. هل هناك طرق سرية للنجاح يعرفها الجميع باستثنائك؟ ما الذي يجري؟...

محتوى مفيد و قيم لكل شابة و أم

شكراً 💞

Pin It on Pinterest

Share This

لو استمتعت بهذا المحتوى من فضلك شاركيه مع من تحبين 🙏🏼